الاثنين، 19 مايو 2014

نِسَاءُ الإسْلاَمِ قُرَّةُ عَيْنِ الزّمَانِ(2)

بِقَلَمِ/ عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ


بسم الله الرحمن الرحيم


السابــق : نِسَاءُ الإسْلاَمِ قُرَّةُ عَيْنِ الزّمَانِ (1/2)

تكلمنا في مقالة سابقة عن نجوم الحضارة الإسلامية من نساء الإسلام اللائي ضربن أروع الأمثلة في مجال الجهاد في سبيل الله، وفي مجال الصّبر على المصائب، وفي مجال التقوى والورع، وفي مجال الصدق مع الله، وفي مجال العلم، وفي هذه المقالة نتكلم عن امتثالهن لأمره  صلى الله عليه وسلم .

نتكلم عن سلفنا الصالح من النساء اللائي قدمن النموذج الأمثل في طاعته  صلى الله عليه وسلم  حيًّا وميتًا
، فلم يكن السمع والطاعة قاصرًا على الصحابة فحسب بل ضرب النساء الصحابيات بسهم وافر في هذا الخير العظيم فقدمن -رضي الله عنهن- قوله  صلى الله عليه وسلم  على قولهن ورأيه على رأيهن، ولم يجدن في أنفسهن حرجًا مما قضي به وسلموا بأمره تسليمًا، فمن ذلك ما رواه أَبو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ»([1])

وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شَقَقْنَ أَكْنَفَ مُرُوطِهِنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»([2])
والعجيب أن ترى المسلمات اليوم يَجُبْنَّ الشوارع ذاهبات آيبات كاسيات عاريات يحاربن الحجاب، ويراوغن رسولهن  صلى الله عليه وسلم  فليس ثم إجابة لأمره، أو طاعة له، وهن -والله- الخاسرات، ولكن على الجانب الآخر المشرق هناك اليوم نساء عابدات طاهرات، مقرَّات في بيوتهن فنسأل الله أن يكثر من أمثالهن.

وفي أمر مهِمٍّ من أمور النساء ألا وهو الزواج واختيار شريك الحياة
قدمن رضي الله عنهن رأيه  صلى الله عليه وسلم  على رأيهن واختياره على اختيارهن، فمن ذلك ما رواته فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ قالت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي فَآذَنَتْهُ فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو الْجَهْمِ بْنُ صُخَيْرٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَلَكِنْ أُسَامَةُ فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ قَالَتْ فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ بِهِ»([3])
وعن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  فَذَكَرْتُ لَهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا فَأَتَيْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَخَطَبْتُهَا إِلَى أَبَوَيْهَا وَأَخْبَرْتُهُمَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ قَالَ فَسَمِعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا فَقَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ فَانْظُرْ وَإِلَّا فَأَنْشُدُكَ كَأَنَّهَا أَعْظَمَتْ ذَلِكَ قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَتَزَوَّجْتُهَا فَذَكَرَ مِنْ مُوَافَقَتِهَا»([4])

وفي أمر من الأمور التي تأباها كثير من النساء ألا وهو إرضاع شخص كبير السن
تمتثل سهلة بنت سهيل لأمره  صلى الله عليه وسلم  في ذلك، لما رآه  صلى الله عليه وسلم  من مصلحة اقتضاها السياق الاجتماعي الذي تعيش فيه هذه الأسرة، وهذه الفتوى منه  صلى الله عليه وسلم  خاصة بهذه الأسرة ولا تنسحب على غيرها إلا لضرورة ليس هذا موضع بسطها، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ الْكَرَاهِيَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ مولى أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم : أَرْضِعِيهِ قَالَتْ كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَفَعَلَتْ فَأَتَتْ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  فَقَالَتْ مَا رَأَيْتُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ شَيْئًا أَكْرَهُهُ بَعْدُ»([5])

وكان أمره  صلى الله عليه وسلم  يختلط بلحمهن وشحمهن،
لا ينتظرن حتى يأمرهن  صلى الله عليه وسلم  في الوقت واللحظة والحال، ولكن يحفظن أمره السابق عن ظهر قلب ويستظهرنه في وقت الحاجة حتى إن كان هذا الأمر على حساب أقرب الأقربين منهن أو على حساب العواطف الجياشة، فالعواطف عندهن مرتبطة بالإسلام والإيمان ولا يتركنها للهوى يفعل بها ما شاء من جاهلية جهلاء، فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»([6])

وكان يستوي في تنفيذ أمره  صلى الله عليه وسلم  البعيد والقريب
، بل كانت جميع المسلمات قريبًا منه، فهو بمثابة أبيهم العطوف بهم والحاني عليهم، فهذه فاطمة ابنته  صلى الله عليه وسلم  تمتثل لأمره وإن كان فيه مشقة بها، فقد ذهب عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو وفاطمة يسألان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خادمًا فقال رضي الله عنه للنبي  صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ فَاطِمَةَ جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا وَحَمَلَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا فَلَمَّا أَنْ جَاءَكَ الْخَدَمُ أَمَرْتُهَا أَنْ تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَكَ خَادِمًا يَقِيهَا حَرَّ مَا هِيَ فِيهِ قَالَ اتَّقِي اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ وَأَدِّي فَرِيضَةَ رَبِّكِ وَاعْمَلِي عَمَلَ أَهْلِكِ فَإِذَا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَسَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَتِلْكَ مِائَةٌ فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ قَالَتْ رَضِيتُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»([7])
وكما قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ} [آل عمران163] كذا هناك مراتب ودرجات يختص بها بعض الناس عن بعض نظرًا لشدة الإيمان واليقين بقوله  صلى الله عليه وسلم  وإن كان قوله  صلى الله عليه وسلم  ظاهره المخالفة لأعراف الناس، فالصحابيات في هذا يتفاوتن ولهن فهوم خاصة لا يستطيعها كل أحد من الناس في اليقين بأمره  صلى الله عليه وسلم  فمن ذلك ما رواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  اسْتَدَانَتْ فَقِيلَ لَهَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَدِينِينَ وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ قَالَتْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ أَعَانَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»([8])
فهذا الامتثال لأمره  صلى الله عليه وسلم  والثقة فيه لا يستطيعها إلا الأفذاذ من هذه الأمة، ولا تُطالب بها عامة الأمة إنما هي لخواص الناس.

ولما امتثلت الصحابيات الجليلات لأمره  صلى الله عليه وسلم
 حصَّلنَّ من الخير والبركة ما جعل حياتهن سعادة دائمة فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   فَقَالَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   قَوْلًا فَسُرِرْتُ بِهِ قَالَ لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي قُلْتُ مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي فَخَطَبَنِي  صلى الله عليه وسلم  إِلَى نَفْسِي. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  »([9])

فالحق ما قالت أم سلمة؛ فرسول الله  صلى الله عليه وسلم  خيرٌ من ملء الأرض من أبي سلمة، وخير من ملء الأرض من المسلمين أجمعين، فهنيئًا لأم سلمة الطاعة والامتثال لأمره  صلى الله عليه وسلم .

فهل لنسائنا من عودة حميدة لامتثال أمره  صلى الله عليه وسلم  والانقياد له والإذعان لطاعته، لتكون حياتهن خيرًا وبركة وسعادة وهناءً!.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.



------------------------
([1]) رواه أبو داود 5272، صحيح أبي داود 4/369.
([2]) رواه البخاري 4759، أبو داود 4102.
([3]) رواه مسلم 1480، الترمذي 1135، النسائي 3222، ابن ماجة 1869.
([4]) رواه الترمذي 1087، النسائي 3235، ابن ماجة 1866، صحيح ابن ماجة 1/600.
([5]) رواه البخاري 4000، مسلم 1453، أبو داود 2061،  النسائي 3223، ابن ماجة 1943.
([6]) رواه البخاري1280، مسلم 1486، أبو داود 2299، الترمذي 1195، النسائي 3500، ابن ماجة 2084.
([7]) رواه البخاري 3113، مسلم 2727، أبو داود 2988، الترمذي 3408.
([8]) رواه النسائي 4687، ابن ماجة 2408، السلسلة الصحيحة 1029.
([9]) رواه مسلم 913، أبو داود 3115، الترمذي 3511، ابن ماجة 1598.


نِسَاءُ الإسْلاَمِ قُرَّةُ عَيْنِ الزّمَانِ(1)

بِقَلَمِ/ عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ


بسم الله الرحمن الرحيم


عجيبٌ أمر هذه الأمَّة؛ كما أخرجت رجالاً لا يُعرف لهم مثيلٌ في تاريخ الأمم، أخرجت أيضًا النّساء الفُضْليَات القدوات التي لا تطاولهن نساء أمة من الأمم، ومن عجب بعد ذلك أن ترى الأجواء المحيطة بالمسلمين يجول في سمائها أسماء لبعض النساء من تاريخ الحضارة الغربية كي نتخذها قدوة، كأنَّ تاريخ وحضارة وثقافة الإسلام نضبت عن أن تحدثنا عن نِسَاءٍ هُنَّ خيرُ نسَاءِ الأرض جَمْعَاء، وما زال عندنا في الوقت الحاضر الكثير والكثير؛ ولكنَّ الحركة الإسلامية متاورية عن دنيا الناس لأسباب ليس هذا موضع بسطها، ولكن الذي يهمُّنا في هذا المقام هو بسط بعض من حياة سلفنا الصالح من العابدات والمجاهدات والعالمات؛ ليكونوا لأمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا وبناتنا قدوة على مرِّ الزمان.

لدينا في تاريخ الإسلام ذكريات حافلة بنجوم مشرقة من أولئك الخيَّرات المستبسلات اللواتي وقفن حياتهن لإعلاء كلمة الإسلام، ورفع رايته، فتاريخ أمتنا الإسلامية مملوءٌ بالعشرات، بل المئات من الوقائع الكبرى، ومن الأسماء المجيدة الخالدة التي تُحيي في قلوبنا العزّة والفخار.

ولقد كان جهاد المرأة المسلمة في خدمة الإسلام واضحًا قويًّا منذ فجر الدعوة
، والتاريخ يحفظ لنا اسم تلك الصحابيَّة الوفيَّة أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنيّة، التي قاتلت يوم أُحُد وخرجت أول النهار تنظر ما يصنع الناس ومعها سقاءٌ فيه ماءٌ فانتهت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو في أصحابه والدولة للمسلمين؛ فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقامت تباشر القتال وتذُبُّ عنه بالسيف وترمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراح إليها.

فكان على عاتقها جرحٌ أجوفُ له غور كان قد أصابها ابن قميئة لما ولَّى الناس عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وقد أقبل يقول: دلوني على محمد؛ لا نجوت إن نجا، فاعترضت له هي ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبتُوا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فضربها هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكنَّ عدو الله كان عليه درعان([1]).
وهذه أسماء بنت يزيد تقتل تسعة من الرُّوم، فقد روى محمد بن مهاجر، وأخوه عمرو، عن أبيهما، عن أسماء بنت يزيد قالت: قتلت يوم اليرموك تسعة([2]).
وكذا أم سليم الرُّميصَاء تتجهز بخنجرها للأعداء يوم حُنَيْنٍ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلاً وَأَخَذَ أَسْلابَهُمْ وَلَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا مَعَكِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ وَاللَّهِ إِنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ([3])
وفي غزوة الخندق تجمع أحزاب المشركين وعسكرت قبائلهم قرب المدينة، وشغل النبي  صلى الله عليه وسلم  والمسلمون بأمر الخندق ثم خان بنو قريظة في معاهدتهم، فأحدثوا بذلك ثغرة داخلية في قوة الإسلام إذ ذاك، وهنالك اُبْتُلِيَ المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًا، وكان بنو قريظة يؤذون المسلمين من الخلف ويساعدون الأحزاب.
وكان النساء بالمدينة بمعْزِلٍ عن الجيش، ولم يكن لديهنَّ من الجنود من يمنعهُنَّ غائلة اليهود من بني قريظة، وفي تلك الأثناء أقبل يهوديٌّ فاطّلع على مكانهن، ورأته صفيَّةُ بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله، فطلبت  إلى حسَّان أن يقتل ذلك اليهودي خشية أن يُطلع بني قريظة على عورات المسلمين، ولكنَّ حسَّان اعتذر وتخلَّف عن الإقدام، فتقدمت صفيَّة رضي الله عنها وحملت عمودًا من بعض الخيام وضربت به رأس اليهودي فسقط على الثَّرى قتيلاً. ([4])
وكانت أعمالهن غالبًا مداواة الجرحى، وإطعام الجند وسقيهم، وتشجيعهم وبث الحمية في قلوبهم على القتال، فعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  «نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ». ([5])
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ فَأَصْنَعُ لَهُمْ الطَّعَامَ وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى».([6])
فهذه المواقف يتجلَّى فيها ما كان للمرأة المسلمة من صدق اليقين، وكمال الغَيْرَةِ على الدين، وحرصها أن لا تحرم من شرف الجهاد مع المسلمين؛ لتنال فخر المجاهدين وأجر الصابرين

وفي مجال الصّبر على المصائب
نجدُ السميراء بنت قيس -إحدى نساء بني دينار- وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بأُحُدٍ؛ فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قالوا: خيرًا يا أمَّ النعمان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتّى أنظر إليه، قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل([7]).
وهذه أسماء بنت أبي بكر يدخل عليها الحجاج بن يوسف بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير -وقد صلبه على جذع فوق الثنيّة- فقال: أرأيتِ كيف نصر الله الحق وأظهره فقالت: ربما أديل الباطل على الحق وأهله وإنك بين فرثها والجنة فقال: إن ابنك ألحد فى هذا البيت، وقد قال الله تعالى: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ندقه من عذاب أليم" وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم، قالت: كذبت كان أول مولود فى الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وحنَّكَه بيده وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجَّت المدينة فرحًا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًّا بالوالدين صوَّامًا قوَّامًا بكتاب الله معظّمًا لحرم الله؛ يبغض من يعصي الله عز وجل، أشهد على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لسمعته يقول: سيخرج من ثقيف كذّابان الآخر منهما شرٌّ من الأول، وهو مبير فانكسر الحجاج وانصرف. ([8])
وقيل لابن عمر: إن أسماء في ناحية المسجد فمال إليها وقال: إن هذا الجسد ليس بشىء؛ وإنما الأرواح عند الله فاتقى الله واصبري، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيٍّ من بغايا بنى إسرائيل. ([9])
وهذه معاذة بنت عبد الله، السّيدة العالمة، أم الصَّهباء العدويّة البصريّة العابدة، زوجة السيّد القدوة صلة بن أشيم، لما استشهد زوجها صلة وابنها في بعض الحروب، اجتمع النساء عندها، فقالت: مرحبًا بكُنَّ، إن كُنتنَّ جئتن للهناء، وإن كنتنَّ جئتن لغير ذلك فارجعن. ([10])
فالصَّبْرَ الصَّبْرَ يا نسَاءَ فلسطين، وليكن في هؤلاء السَّلف الصَّالح قدوةٌ لكُنَّ فموتاكم شهداء في الجنَّة، قال تعالى عنهم: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران170-171]

وفي مجال التقوى والورع
نجد ميمونة بنت شاقولة الواعظة التي هي للقرآن حافظة، ذكرت يومًا في وعظها أن ثوبها الذي عليها وأشارت إليه له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغيَّر، وأنه كان من غزل أمها. قالت: والثوب إذا لم يُعْص الله فيه لا يتخرق سريعًا.
وقال ابنها عبد الصمد كان في دارنا حائطٌ يريد أن ينقضَّ فقلت لأمي: ألا ندعو البنَّاء ليصلح هذا الجدار فأخذتْ رقعة فكتبتْ فيها شيئًا ثم أمرتني أن أضعها في موضع من الجدار فوضعتها؛ فمكث على ذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردت أن أستعلم ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة: إنَّ الله يُمْسِك السموات والأرض أن تزولا، اللهم مُمْسِك السموات والأرض أمسكه. ([11])‏
وما كان هذا ليكون إلا بقوة الإيمان واليقين والتوكُّل على الله فى الأمر كلِّه، فهل فى نسائنا العابدات القانتات التى لو أقسمت على الله لأبرها؟!.
وأيضًا هذه رابعة العدوية، قالت عنها عبدة بنت أبي شوال: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر، هجعت هجعة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا ليوم النشور([12])

وفي مجال الصدق مع الله نجد أم سليم مهرها الإسلام، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الإِسْلامَ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ. ([13])

وفي مجال الصدقة تبرعوا بكل شيء حتي الحُلِي؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ خَطَبَ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  العيد وأتى النساء فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ وَبِلالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّيْءَ. ([14])
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة245] قال أبو الدَّحداح: يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القَرْضَ؟ قال: " نعم يا أبا الدَّحداح قال: أرني يدك؛ قال فناوله؛ قال: فإني أقرضتُ الله حائطًا فيه ستمائة نخلةٍ، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدَّحداح فيه وعياله؛ فناداها: يا أم الدَّحداح؛ قالت: لبيك؛ قال: اخرجي، قد أقرضتُ ربي عز وجل الحائط. قالت أمُّ الدَّحداح: ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أقبلت على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم؛ حتى أفضت إلى الحائط الآخر.([15])
فأين أنت أختي المسلمة من هذا الخلق، وأين أنت من الحرص على دفع الزوج دفعًا للتصدق في سبيل الله وعدم لومه أو توبيخه أو ذمّه من أجل دراهم معدودة، فكثير من الأزواج لا يستطيع البوح لزوجته بما تصدق به في سبيل الله؛ فاللَّوْمُ جاهز من الزوجة، والمبرّرات جاهزة من أن الأولاد أحقُّ بهذا من أيّ أحد، وأمثال الجاهلية جاهزة مثل: (ما احتاجه البيت حرم على المسجد)، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي مجال العلم
نجد عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية الفقيهة، تربية عائشة وتلميذتها، روى القاسم بن محمد أنه قال: أتيتها -لطلب العلم- فوجدتها بحرًا لا ينزف([16]) ، وكثير من الفقيهات على مرّ التاريخ ذُكرن في كتب أهل العلم، وتراجمهن معلومة أمثال: فاطمة أمّ البنين النيسابوريّة، وفاطمة بنت القاسم، وبيبي، وشهدة الكاتبة، وكريمة، وتجني بنت عبد الوهاب، وفاطمة أم البنين، وخديجة بنت الحسن، وغيرهن الكثير.
فأسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يرزق الأمة نساءً كهؤلاء يستأنفنا تاريخ الأمة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

------------------------
([1]) سير النبلاء 2/278.
([2]) البداية والنهاية 11/355.
([3]) رواه مسلم 1809، أبو داود 2718.
([4]) البداية والنهاية 7/107، سير النبلاء 2/270.
([5]) رواه البخاري 2882.
([6]) رواه مسلم 1812، ابن ماجة 2856.
([7]) البداية والنهاية 4/48
([8]) البداية والنهاية 8/335.
([9]) سير النبلاء 2/295.
([10]) سير النبلاء 4/509.
([11]) البداية والنهاية 11/355، سير النبلاء 2/278.
([12]) سير النبلاء 8/242.
([13]) رواه النسائي 3341، صحيح سنن النسائي 6/114.
([14]) رواه البخاري 98، مسلم 884، أبو داود 1142، الترمذي 537، النسائي 1569، ابن ماجة 1273.
([15]) تفسير القرطبي على الآية، وأصلة في صحيح مسلم ومسند أحمد.
([16]) سير النبلاء 4/508. 

الاثنين، 18 مارس 2013

آسيـة بنـت مزاحـم

جمع وترتيب: أبي مصعب السيوطي


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأنتمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).
أما بعد
فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإليكـ أخـتـاه ...
" الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ " [رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
إليكـ أخـتـاه ...
يا أسعد َ الناسِ في دين وفي أدب بـلا جُمـان ولا عِقـد ولا ذهـب
بل بالتسابيح كالبـشرى مرتلة كالغيث كالفجر كالإشراق كالسحب
في سجدة ، في دعاء ، في مراقبة في فكـرة بين نور اللـوح والكتب
في ومضة في سناء الغار جـاد بها رسـولُ ربـك للرومـان والعـرب
فأنتِ أسعد كـلِّ العالمين بمـا في قلبك الطـاهر المعمـور بالقـرب
إليكـ أخـتـاه ...
يا من تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور الإيمان ، تقر في كل شىء معناه السماوى .
يا من خلقت لتكونى للرجل مادةَ الفضيلة والصبر والإيمان ، فتكونى له وحياً وإلهاماً ، وعزاء وقوة ، زيادة في سروره ونقصاً من آلامه.
إليكـ أخـتـاه ...
يا من تعيش فى زمن الغربة ، والأيام الخداعات التى نعتوا فيها رمزَ عفتك ، وتاجَ وقارك بالخيمة والكفن واللاشئ ..... .
تقبضين بيد على جمر المحن والإحن ، وتقاومين باليد الأخرى طوفان الفساد ، تصرخين في وجه الرذيلة : أنا مسلمة مستقيمة ، أنا بالله مستعينة ، لا تخدعنى الشعارات ، ولا أضيع وقتى أمام القنوات ، ومتابعة أخر الموضات ، جعلتُ همي رضا رب الأرض والسماوات .
إليكـ أخـتـاه ...
يا من تعرف وتعني ما تقول . أفعالها وأقوالها محكومة بقال الله وقال الرسول . يزول عنها قلبها لكن حياءها لا يزول ؛ لأنها تعلم إلى أين هذا الطريق يأول .
لم تتساقط مع أوراق الخريف . ولم تتقلب مع تقلب الفصول . باعت الفاني واشترت باق لا يزول .
أخـتـاه ...
أنا لا أعجبُ من أمرك ... من قوة إيمانك ، وصبرك ، وثباتك ، وتضحيتك ، وتميز شخصيتك فـــ :
* تلكـ أمُـك يـا فتـاة *

[1] آسية امرأة فرعون

* مع الخالدات : 
قال تعالى : ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
[التحريم:11]
- حلقة فى سلسلة تكريم القرآن للمرأة ففى كتاب الله سورة باسم " النساء " ، وسورة باسم امرأة " مريم " ، وآيات نزلت فى مخدع امرأة " عائشة " ، وآيات تنزل لتبرأها ، وقرآن ينزل ليزوج امرأة ، وعشرات الآيات التى تبين حقوقها وواجباتها .
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للرجال
- وها هى ذى امرأة كرمها القرآن ، خلد ذكرها المنان ، فى آية تتلى ما بقى الجديدان ، ضرب الله - عز وجل - بإيمانها المثل . إنها آسية - امرأة فرعون - السراج الذي أضاء في ظلمات القصر ، آسية التى غزا الإيمان قلبها ، وملك عليها أمرها .
- يرتفع قدر هذه المرأة أضعافاً ، وتعلو مكانتها علواً بمجرد أن يقع طرف البصر على الآية التى تليها حيث إفرادها بالذكر مع مريم ابنة عمران.
وهما الاثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة يضربهما الله لأزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمناسبة الحادث الذي نزلت فيه آيات صدر السورة , ويضربهما للمؤمنات من بعد في كل جيل .

* فى ظلال الآية : 

قال تعالى : ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
- ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ) وضرب الله مثلاً لحال المؤمنين- الذين صدَّقوا الله ، وعبدوه وحده ، وعملوا بشرعه ، وأنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين في معاملتهم - بحال زوجة فرعون التي كانت في عصمة أشد الكافرين بالله ، وهي مؤمنة بالله .
- ( إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) حين قالت: رب ابْنِ لي دارًا عندك في الجنة .
قال ابن القيم: فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل الدار.
- ( وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) خلصني من طغيان فرعون وتعذيبه وعمله الشنيع .
- (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وخلصني من القوم التابعين له في الظلم والضلال ، ومن عذابهم .
- وجاءت هذه الآية والتى تليها مثلين لمؤمنتين صادقتين عاشتا فى بيئة كفر ( آسية ومريم ) بعد ذكر مثلين لامرأتين كافرتين خائنتين عاشتا فى بيئة نبوة ( امرأتي نوح ولوط ) تعريضاً بامرأتين ( أمى المؤمنين عائشة وحفصة ) لما تظاهرا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان الترهيب بذكر مثل الكافرتين ، فإن صدرت منهما معصية ، لن يفيدهما كونهما من زوجات النبي لدفع العذاب ، ثم ذكر مثل المؤمنتين ترغيباً في التمسك بالطاعة والثبات على الدّين ، وحثاً للمؤمنين على الصبر في الشدة ، كصبر آسية على أذى فرعون ، وصبر مريم على أذى اليهود واتهامها بالفاحشة ، فصبر المؤمن والمؤمنة على الأذى ينجي من القوم الظالمين ، والتقرب إلى اللّه يكون بالطاعات .
قال تعالى : (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) [التحريم4:-5]
وقال تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) [التحريم:10-12]
* مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا :
- دعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صورة .
امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ . في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي . . ولكنها استعلت على هذا بالإيمان . ولم تعرض عن هذا العرض فحسب , بل اعتبرته شراً ودنساً وبلاء تستعيذ بالله منه . وتتفلت من عقابيله , وتطلب النجاة منه !
- هي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية . . وهذا فضل آخر عظيم . فالمرأة أشد شعوراً وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته . ولكن هذه المرأة . . وحدها . . في وسط ضغط المجتمع , وضغط القصر , وضغط الملك , وضغط الحاشية , والمقام الملوكي .
- في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء . . وحدها . . في خضم هذا الكفر الطاغي !
- نموذج عال في التجرد لله من كل هذه المؤثرات ، وكل هذه الأواصر , وكل هذه المعوقات , وكل هذه الهواتف . تحدت آسية زوجها، وشمخت بإيمانها، ولم تفتنها الدنيا ومباهجها.

* فى وداع الملكة :

ها هي امرأة فرعون من أغنى أهل الأرض ...
ادخلي قصرها وانظري ...
إذا بقصر يبهر العقول ... كأن الجمال يصول بين جنباته ويجول ...
نمارق مصفوفة ، وسرر مرفوعة وجدران مزخرفة ...
وفجأة ننظر في ذلك القصر ...
بداخلة امرأة مربوطة تساق إلى خشبة الجلاد ...
انظري إليها .. دققي ..
هي ليست بخادمة ولا سارقة ...
وإنما هذه المربوطة هي الملكة !! .
الملكة ؟! صاحبة هذا القصر هي هي بعينها ...
هذه المربوطة كانت إذا تحركت في القصر وقفت لها أنفاس الخدم ...
كانت إذا أشارت بيدها تسابقت لها الأيادي بما تشتهي من النعم ...
أجمل قصر على الأرض هو قصرها وأغلى حلي في الوجود حليها ...
لكنها تساءلت : هذا النعيم الذي أرفل فيه إلى متى سيدوم ؟
فطرقت مسامعها إجابات صريحة قد يدوم مائة سنة وقد لا يدوم .
فكرت بقصر لا ينتهي بزمن ولا يزول إذا ماتت .
فكرت في حلل لا تبلى ، وحلي لا تتغير ولا تصدأ .
فكرت فى ملك لا ينتهي ولا يفنى ...
فلما أن لاح لها الهدف تقدمت نحوه تقدم الواضح الذي لا يقف ولو أدمي قلبه
هددوها بزوال قصرها وملكها ...
فتذكرت أن قصرها الذي في السماء هو الأبقى ...
هيهات لمن عُرض لها الذهب أن تغريها باللعب .
أمر فرعون بها فمدت بين يديه على لوحٍ ...
ربطت يداها وقدماها في أوتاد من حديد ...
وأمر بضربها فضربت ...
حتى بدأت الدماء تسيل من جسدها .. واللحم ينسلخ عن عظامها ..
فلما اشتدّ عليها العذاب .. وعاينت الموت .. رفعت بصرها إلى السماء .. وقالت :
( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ
وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
وارتفعت دعوتها إلى السماء ...
فكشف الله لها عن بيتها في الجنة ...
فتبسمت .. ثم ماتت .. ماتت الملكة ..
التي كانت بين طيب وبخور .. وفرح وسرور ..
تركت فساتينها .. وعطورها .. وخدمها .. وصديقاتها ..
واختارت الموت ..
لكنها اليوم .. تتقلب في النعيم كيفما شاءت ..
ولماذا لا يكون جزاؤها كذلك .. وهي التى تحدت الطغيان ، وآثرت لقاء الرحمن .
نفعها صبرها على الطاعات .. ومقاومتها للشهوات ..
( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا )

* وخلدها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

- لله درُك يا آسية ! لقد خلدك القرآن - كلام ربي أعظم كتاب – وها أنت على درب الخلود سائرة ، ولم لا ؟! وقد مدحك أعظم الخلق ، ذُكرتِ على لسان أفصح الخلق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فتارة يشهد لك بتمام فضلك وكمال عقلك ، وتارة يروى مشهد عذابك ، وملحمة صبرك وثباتك .
- عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " [متفق عليه]
- عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ " . [أحمد والترمذي]
- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ، قَالَ: " تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : " أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ " .
[أحمد والحاكم]
- عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها فكان إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة فقالت : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فكشف لها عن بيتها في الجنة .
[رواه أبو يعلى فى مسنده ، وقال بركة الزمان وحسنة الأيام الألبانى : و هو في حكم المرفوع ؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي]
وفى رواية : عَنْ سَلْمَانَ ، قَالَ: " كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تُعَذَّبُ بِالشَّمْسِ ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عنها أَظَلَّتْهَا الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا ، فَكَانَتْ تَرَى بَيْتَهَا مِنَ الْجَنَّةِ " .
[ رواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ]
وفى رواية : عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ : " وَتَّدَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جعَلَ عَلَى بَطْنِهَا رَحًى عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ " .
[ رواه البيهقي فى شعب الإيمان / بَابٌ فِي شُحِّ الْمَرْءِ بِدِينِهِ حَتَّى يَكُونَ الْقَذْفُ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ]
- حُق لك أن يخلد ذكرك فى كتاب الله ، وسنة نبيه ، ما أرجح عقلك ! ما أكمله ! حين آثرت الباقية على الفانية ، وكأنك فى آتون المعاناة المريرة ، والمأساة المريعة ترددين بلسان الحال : الدنيا ... ظل غمام وحلم نيام ، من عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق ، وحرم التوفيق ، والآخرة ... يقظة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، قد أبت علىَّ نفسي إلا أن أدخل الجنة فبعتُ لله نفسي واللهُ اشترى .

أمـاه ... ربـح البيـع

* سـر الثبـات :

- أختاه ... أخاف عليك من أمواج الفتن المتلاطمة ، ومن ريح المكر العاتية .
- أختاه ... أخاف عليك من تقلب قلبك ، فقد كان أتقى قلب يسأل ربه الثبات ، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " . قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ: فَقَالَ: " نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا " [ رواه أحمد بإسناد قوى ] .
- أختاه ... لست بالخَلْق الضعيف النفس ، فإن من احتمل ما احتملته فى ظلمات التاريخ ، وعَسْف الأب ، وصَلَف الزوج ، إلى وَقْر الحمل ، وألم المخاض ، وسُهد الأمومة لا يكون ضعيف النفس .
- أختاه ... يا دعامة المجتمع ، يا من وكلك الله بابتناء الشعوب ، وإنشاء الأمم ... .
اثبتي فإنك على الحق
- ولكى تثبتى - كما ثبتت أمك - عليك أن تسلكى سبيل الثبات ، فلا تضلى الطريق ولا يقطعه قطاعٌ دعاةٌ على أبواب جهنم حتى تَصِلى بأمان ... إليك وسائل الثبات ...

1- القرآن القرآن :

قال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) [الفرقان:32]
أختاه ... من أعظم أسباب الثبات الاعتصام بالقرآن قراءة وحفظاً ومُدارسة ، والقيام به ليلاً ، والعمل به نهاراً .
- فالقرآن يشتمل على الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ...
- سماع القرآن يزيد الإيمان ، قال تعالى : ( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) [التوبة:124]
- القرآن يعالج أمراض الشبهات والشهوات ، قال عز وجل : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) [الإسراء:84]
وكلما سلم القلب من الشبهات والشهوات كان لمواجهة الفتن أقوى وأكثر ثباتاً .
- القرآن يشتمل على القصص الذى يبشر المؤمنين بالنصر والتمكين ، ويظهر عاقبة المجرمين ، قال تعالى : ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) [هود:120]
2- استجيبي لله ولرسوله :
قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) [النساء:66]
فالاستجابة لأمر الله ، والانتهاء عما نهى الله عنه يقوى قلبك – أختاه – فتكوني أقدر عل الثبات ، وأكثر تمسكاً بالحق حتى الممات .
فالطاعات أغذية القلوب ، والمعاصى سمومها ، والتفريط والتهاون يجعل القلب ضعيفاً أمام الفتن ، ومن أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولاً لم ينج آخراً .
3- أكثري من ذكر الله عز وجل :
لما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون أوصاهما بقوله : ( وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) .
[طه:42]
وأمر سبحانه المؤمنين بكثرة الذكر عند ملاقاة الكفار ، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الأنفال:8]
فكثرة الذكر تقوى القلب والبدن ، ودنكِ تعليمُ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفاطمةَ وعلىٍّ أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين ، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين ، ويكبرا ثلاثاً وثلاثين ، وقال : " فَهُوَ خَيْرٌ لَكمَا مِنْ خَادِمٍ " [متفق عليه]
قال ابن القيم : فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم .
فاستعينى – أختاه – بذكر الله على مواجهة الفتن والابتلاء .
جعلكِ الله من الذاكرات
4- وضوح المنهج :
فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي ... " [أخرجه مالك مرسلاً والحاكم مسندًا]
فيجب الابتعاد عن الشبهات والبدع المستحدثة فى دين الله عز وجل ، والابتعاد عن المذاهب الباطلة ، وذلك يكون بالتمسك بكتاب الله ، وسنة نبيه بفهم قرون الخيرية من الصحابة والتابعين ، وتابعى التابعين ، ومن سار على نهجهم فى كل زمان ومكان .
- أختاه - إن إتباع سبيل المؤمنين - أهل السنة والجماعة - من أعظم أسباب الثبات فهم أعظم الناس صبراً على أقوالهم ومعتقداتهم ، أما أهل البدع فهم أكثر الناس شكاً واضطراباً .
قال تعالى : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) [النساء:115]
وقال سبحانه : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) [آل عمران:106]
تبيض وجوه المؤمنين المتقين ، وتسود وجوه الكافرين والمبتدعين من أصحاب الأهواء .
فأهل البدع والأهواء يعرفون في عرصات القيامة باسوداد وجوههم ، وأهل السنة والجماعة وهم الذين يعيشون عقيدة وعبادة على ما كان عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يعرفون يوم العرض بابيضاض وجوههم .
أختاه ... هل تتصورين عقاب من يبدل ويغير ؟ ضعى هذا الحديث نصب عينيك ...
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَرِدُ عليَّ أمتي الحوض ، وأنا أذود الناس عنه ؛ كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله ، قالوا: يا نبي الله ! أتعرفنا ؟ قال: نعم ، لكم سيما ليست لأحد غيركم ، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء . وليصدن عني طائفة منكم ، فلا يَصِلُون ، فأقول: يا رب ! هؤلاء من أصحابي ؟! فيجيبني ملكٌ فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟! "
قال القرطبي : والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله مالا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض ، المبتعدين منه المسودي الوجوه ، وأشدهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم ؛ كالخوارج على اختلاف فرقها ، والروافض على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ؛ فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون .
ثبتكِ اللهُ على منهج الحق
5- أكثري العبادات والطاعات :
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ... " [رواه البخارى وغيره]
فالعبد الذى يتقرب إلى الله بالنوافل بعد استكمال الفرائض يوفقه الله لكل خير ، ويصرف عنه كل شر ، وتصير جوارحه كلها مشغولة بالله ، وترتفع رتبته إلى درجة علية سَنية فإذا سأل اللهَ أجابه ، وإذا احتمى بجنابه واستعاذ به أعاذه ، وهذا من أسباب الثبات على الحق .
فكلما ازداد العبد من الطاعة يزداد رسوخ قدمه على طريق الله ، فلا يزعزعه إرجاف المرجفين ، وتهويل المبطلين .
جعلكِ الله من العابدات
6- حققي الأخوة الإيمانية :
أختاه ... فى أيام تصاعدت فيها الهزات الداخلية ... ما أحوجكِ إلى الأخوة الإيمانية ، فالوحدة غربة ، والغربة وحشة ، والوحشة نُفرة ، والنفرة ضلال .
أختاه ... في هذه الحياة تجدين صعوبة بالغة في أن تعيشي وحيدة دون أخت لك ، تأوى إليها . تلاقيك وتواسيك . تبثي إليها همومك .تشاطرك أفراحك . تشاركك أحزانك وأتراحك . تقيلك من عثرتك . تحيطك من وراءك . تشحذ همتكِ . طريقها طريقك . ودها ودك . مرآتك الصافية . إن أحسنتِ أعانتك . إن أسأتِ قومتك . إن ضعفت نفسك ساعة بالجنة ذكرتك . بالثبات نصحتك .
إن الإسلام دين الأخوة والمحبة والتآلف ، قال تعالى : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) [الأنفال:63]
فكم من أخت كاد أن يدركها الغرق فإذا بيد حانية شفيقة تمتد كطوق نجاة فانتشلتها ، فلما وصلت بها إلى بر الأمان شدت أزرها وقوت عزمها .
كم من أخت بدأت طريقها بجد وهمة ، ثم فترت همتها شيء فشئ ، فإذا بكلمات رقراقة انطلقت من قلب حى تذكرها بسابق العهد والجوار .
كم من أخت أحاطت الغربة بها من كل جانب حتى ضاق عليها صدرها ، فإذا بوجه تلاقيه أو صوت يهاتفها فتزول الغربة ويتسع الصدر .
أختاه ... يا من زرعتِ بساتين الأخوة في قلبك . فأثمرت فيكِ حياة أخرى غير تلك التي تحيها ، فالقلوب تحيا وتترابط وتتآلف فيورثها الله من النعيم ما لا يستشعره إلا من ذاقه .
فمن ذلك : تتذوقي حلاوة الإيمان فتحيين حياة السعداء – يحيطك الله برحمته ويقيكِ شدائد يوم القيامة – يظلك اللهُ فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله – يحبك الله – يزيد الله فى درجاتِك لتصلى منازل الأبرار ..... .
كيف لا تثبتين وقد حققت الإخوة الإيمانية ؟!!
7- ثقي بنصر الله ووعده :
كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبث عوامل الثقة فى النفوس ، وكان القرآن يتنزل وأهل الحق يعذبون يبشرهم بالنصر والتمكين وهزيمة المشركين ، كقوله تعالى : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) نزلت بمكة وتحقق الوعد الصادق فى أول لقاء بين الكفر والإيمان يوم الفرقان .
وهذا خَبَّاب بن الأرت يشكو إلى النبى ما لقى من تعذيب فبين النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له أن أصحاب الحق لابد لهم من الفتنة والابتلاء ، وزاده تثبيتاً فبشره بنصر الإسلام ، واكتمال أمره فقال : " وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ لاَ يَخَافُ إلاَّ اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ " [رواه البخارى وغيره]
فمهما انتفش الباطل واستطال فكونى على يقين من هزاله وضعفه وخفة وزنه ، وأن الثقة فى نصر الله هى مناط القوة التى يستشعرها صاحب الحق .
قال تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) [الأنبياء:18]
قال العلامة الحويني - حفظه الله - : لقد جعل الله عز وجل قوة الحق ذاتية فيه ، فالحق قذيفة ، يحمل أسباب القوة في ذاته ، لكنه يحتاج إلى مسدد ، ومن قوة الحق أنه يتوجه إلى كبد الباطل وإلى دماغه ، لا يتوجه إلى العضلة ولا إلى الكتف ، وإنما إلى الدماغ ، ولذلك قال تعالى: (فَيَدْمَغُهُ) يدمغه نستفيد منها فائدتين :
الفائدة الأولى: أنها تصيب دماغه ، والمرء إذا أصيب دماغه لا يعيش .
الفائدة الثانية : فيه معنى الدمغ ( الختم ) أي أن الذي يصيبه الحق يصاب بدمغٍ وعلامةٍ ظاهرةٍ يظهر منها أنه مبطل ، والباطل زاهق ، لا روح له ولا نفس .
( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )
8- اقرعي أبواب السماء :
أختاه ... إذا أقبل عسكر الفتن والبلاء فاثبتي واستقبليه بسلاح الدعاء . إلجائي إلى الله الذى بيده مقاليد كل شيء (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) .
وانظري إلى غلام أصحاب الأخدود وهو يلجأ إلى الدعاء " اللهم اكفينهم بما شئت وكيف شئت " فينجيه الله من كيد الملك الكافر .
أختاه ... إذا جاءتكِ المصائبُ كالسيل ، والخلانُ عنكِ في مَيل . عندما يلُفُكِ الليل ...
فارفعي يديكِ وقلى ((يَا رَبُّ)) (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) [النمل:62]
أنزلْي حوائجَك به ، فهو أقربُ إليكِ من دمك الذي يجري في عروقك ، وهو أعلمُ بما فيه نفعكِ فيسوقه إليك ، وييسره لك ، وهو أعلم بما فيه ضرك فيصرفه عنك ، ففي السؤال ذل وانكسار وافتقار واضطرار .
قال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة:186]
وَعَنْ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا أَوْ قَالَ خَائِبَتَيْنِ " [رواه ابن ماجه]

* من وحـى القصـة :

1- بيان ما يفعله الإيمان بالنفوس ، ففى سبيل الله يستروح المؤمنون العذاب ، ويواجهون الطغاة ، ولا ينفع فى مواجهة المؤمن أشد ألوان الظلم ، وأقسى أنواع التعذيب .
2- إكرام الله لأوليائه الذين بذلوا نفوسهم رخيصة فى سبيله ، فقد أعلى الله مقام آسية ، وأكرمها إكراماً عظيماً .
3- عظم كراهية الكفرة أمثال فرعون للمؤمنين ، وخلو قلوبهم من الرحمة عند المواجهة .
4- الجزاء من جنس العمل ، فقد تركت آسية قصراً دنيوياً لله فأبدلها الله بيتاً فى الجنة رأته وهى فى الدنيا .
5- يثبت الله عباده الذين شاء لهم الكرامة فى المواقف الصعبة ، فقد ثبت الله آسية .
6- صفعة على وجوه العلمانيين وأذنابهم الذين يتهمون القرآن بهضم حق المرأة فهذا كتاب الله يخلد امرأةً أطاعت ربها ، ليسوى بين الرجل والمرأة فى العقل والعقيدة .
وقبل الرحيل ... أختاه
ما أجملك حين تسددي وتقاربي وتوازني ، وما أعظمك حين تجعلين الدنيا مطية الآخرة ، وما أكرمك حين تعطي في الدنيا كل ذي حق حقه ، فتعطي حق الله في التوحيد والعبودية والولاء ، وحق الإسلام في الالتزام الحقيقي به والدعوة إليه ، وتعطي حق الزوج والأولاد في الطاعة والتربية والرعاية ، وتعطي حق نفسك بتمتعها من الطيبات ومتاع الدنيا دون عبودية لها ، وهكذا سائر الحقوق تؤديها بصدق وإخلاص وعزم وقناعة وزهد.
قال بعض الصالحين: يا ابن آدم إذا سلكت سبيل القناعة، فأقل شيء يكفيك، وإلا فإن الدنيا وما فيها لا تكفيك .
وقال علي بن أبي طالب: ليس الزهد ألا تملك شيئًا، ولكن الزهد ألا يملكك شيء .
وعن وكيع قال: قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا: قصر الأمل ليس بالأكل الغليظ ولا لبس العباء .
أسأل الله ن يحفظكِ ويثبتك ثبات أمك آسية

المراجـع

القرآن الكريم . صحيح البخارى . صحيح مسلم . مسند أحمد . مسند أبى يعلى . شعب الإيمان للبيهقي . سنن ابن ماجه . سنن الترمذى . مستدرك الحاكم . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي . فى ظلال القرآن . أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري . مواقف إيمانية لأحمد فريد . عودة الحجاب لابن المقدم . وحى القلم للرافعي . أسعد امرأة فى العالم لعائض القرني . الفوائد لابن القيم . الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم . صلاح الأمة فى علو الهمة للعفاني . الأخوة أيها الإخوة لمحمد حسين يعقوب . إذا سألت فاسأل الله لعادل محمد . هذه هى زوجتى . ما أقوى شخصيتها لعبد المحسن الأحمد . القابضات على الجمر للعريفي . الفتاة ألم وأمل لإبراهيم الدويش . سنة الدفع وتعلقها بحق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته للحويني .

المصدر
http://www.saaid.net

السبت، 10 سبتمبر 2011

أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها

نسبها وحياتها قبل رسول الله

ميمونة بنت الحارث رضي الله عنهاهي ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال (29 ق.هـ- 51هـ/ 593- 671م). وأُمُّها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير. وأخوات ميمونة لأبيها وأُمِّها: أمُّ الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث زوجالعباس بن عبد المطلب، ولبابة الصغرى عصماء بنت الحارث زوج الوليد بن المغيرة، وهي أمُّ خالد بن الوليد، وكانت تحت أُبَيِّ بن خلف الجهمي فوَلَدَتْ له أَبَانًا وغيره، وعزَّة بنت الحارث التي كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك، فهؤلاء أخوات أمِّ المؤمنين ميمونة لأبٍ وأُمٍّ. أمَّا أخوات ميمونة لأُمِّها: أسماء بنت عُمَيس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب فوَلَدَتْ له عبد الله وعونًا[1].

وقد كان يقال: أكرمُ أصهار عجوزٍ في الأرض هندُ بنت عوف بن زهير بن الحارث أمُّ ميمونة، وأمُّ أخواتها أصهارها العباس وحمزة ابنا عبد المطلب، الأول على لبابة الكبرى بنت الحارث منها، والثاني على سلمى بنت عميس منها، وجعفر وعلي ابنا أبي طالب كلاهما على أسماء بنت عميس، الأول قبل أبي بكر والثاني بعد أبي بكر، وشداد بن أسامة بن الهادي الليثي على سلمى بنت عميس منها بعد وفاة حمزة بن عبد المطلب، ورسول الله على بنتها زينب بنت خزيمة، ثم بعد وفاتها أختها لأُمِّها ميمونة بنت الحارث[2].

مكانتها وفضلها وعلمها

كان للسيِّدة ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- مكانتها بين أُمَّهات المؤمنين؛ فهي أخت أُمِّ الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، كما أنها خالة ابن عباس y[3].

ورُوي لها سبعة أحاديث في "الصحيحين"، وانفرد لها البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وجميع ما روت ثلاثة عشر حديثًا[4].

وقد وصفها الرسول وأخواتها بالمؤمنات؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "الأَخَوَاتُ مُؤْمِنَاتٌ: مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ، وَأُمُّ الْفَضْلِ بنتُ الْحَارِثِ، وسَلْمَى امْرَأَةُ حَمْزَةَ، وَأَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ هِيَ أُخْتُهُنَّ لأُمِّهِنَّ"[5].

زواجها من رسول الله

لما تأيَّمت ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها- عرضها العباس t على النبي في الجُحْفَة، فتزوَّجها رسول الله ، وبنى بها بسَرِف على عشرة أميال من مكة، وكانت آخر امرأة تزوَّجها رسول الله ، وذلك سنة سبع للهجرة (629م) في عمرة القضاء. وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وقد أصدقها العباس عن رسول الله أربعمائة درهم، وكانت قَبْلَه عند أبي رُهْم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي؛ ويقال: إنها التي وَهَبَتْ نفسها للنبي ؛ وذلك أن خطبة النبي انتهت إليها وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله. فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].

وقد قيل: إن اسمها كان بَرَّة، فسمَّاها رسول الله ميمونة، وكانت -رضي الله عنها- قريبة من رسول الله ، فكانت تغتسل مع رسول الله في إناء واحد[6].

الحكمة من زواج النبي بها

لقد حقَّق النبي بزواجه من السيدة ميمونة -رضي الله عنها- مصلحة عُلْيَا، وهي أنه بهذه المصاهرة لبني هلال كَسَبَ تأييدهم، وتألَّف قلوبهم، وشجعهم على الدخول في الإسلام، وهذا ما حدث بالفعل، فقد وجد النبي منهم العطف الكامل والتأييد المطلق، وأصبحوا يدخلون في الإسلام تباعًا، ويعتنقونه طواعيةً واختيارًا[7].

قال العلامة محمد رشيد رضا: ورد أن عمَّ النبي العباس رغَّبه فيها، وهي أخت زوجه لبابة الكبرى أمِّ الفضل، وهو الذي عقد له عليها بإذنها، ولولا أن العباس رأى في ذلك مصلحةً عظيمةً، لما اعتنى به كل هذه العناية[8].

ميمونة في بيت النبي

كانت -رضي الله عنها- آخر امرأة تزوَّجها رسول الله [9]. قال ابن هشام: وكانت جَعَلَتْ أمرها إلى أختها أمِّ الفضل، فجعلتْ أمُّ الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوَّجها رسولَ الله ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم[10]. ويُقال: إنها هي التي وَهَبَتْ نفسها للنبي ، وأنزل الله تعالى فيها: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]. لما انتهت إليها خطبة رسول الله لها وهي راكبة بعيرًا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله [11].

وبانضمام السيدة ميمونة -رضي الله عنها- إلى ركب آل البيت، وإلى أزواج رسول الله كان لها -كما لأُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن- دور كبير في نقل حياة رسول الله إلى الأُمَّة، كما قال الله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}[الأحزاب: 34]. قال البغوي: قوله : {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} يعني: القرآن، {وَالْحِكْمَةِ} قال قتادة: يعني السُّنَّة. وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه[12].

ومن ثَمَّ كانت أُمَّهات المؤمنين تنقل الأحكام الشرعية بدقَّة بالغة، فنجد الأحاديث التي يُذكر فيها الغسل والوضوء وما كان يفعله النبي في نومه واستيقاظه ودخوله وخروجه، وما كان أحد لينقل هذه الأمور كلها بهذه الدقَّة إلاَّ أُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ وذلك نظرًا لصحبتهن الدائمة للرسول .

مروياتها عن رسول الله

روت عن رسول الله ، وروى عنها: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وعبد الله بن سليط، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أخيها عبد الرحمن بن السائب الهلالي، وغيرهم.

وفاتها

وقد تُوُفِّيَتْ -رضي الله عنها- بسَرِف بين مكة والمدينة، حيث بنى بها رسول الله ، وذلك سنة 51هـ/ 671م، أكَّد ذلك ابن حجر وغيره[13]، وكان لها يوم تُوُفِّيَتْ ثمانون أو إحدى وثمانون سنة[14].

[1] محب الدين الطبري: السمط الثمين ص189.
[2] العصامي: سمط النجوم العوالي 1/201.
[3] الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/238.
[4] المصدر السابق 2/245.
[5] الطبراني: المعجم الكبير (12012)، والحاكم في المستدرك (6801)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الألباني: صحيح. انظر السلسلة الصحيحة (1764).
[6] محب الدين الطبري: السمط الثمين ص192.
[7] محمد فتحي مسعد: أمهات المؤمنين ص206.
[8] محمد رشيد رضا: نداء للجنس اللطيف في حقوق النساء في الإسلام ص84.
[9] ابن سعد: الطبقات الكبرى 8/132.
[10] ابن كثير: السيرة النبوية 3/439.
[11] ابن هشام: السيرة النبوية 2/646، والسهيلي: الروض الأنف 4/117، وابن كثير: السيرة النبوية 3/439.
[12] البغوي: معالم التنزيل 6/351.
[13] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 8/128، وأيضًا: تهذيب التهذيب 12/402.
[14] ابن سعد: الطبقات الكبرى 8/140.